الذهبي
363
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
فدخل دار برنقش ، ولم ينم النّاس ، وأصبحوا على خوفٍ شديد ، وخرج أبو الكرم الوالي يطلب الخليفة فأُسر وحُمِل إلى مسعود ، فأطلقه وأكرمه ، وسلَّم إليه بغداد ، ورحل الراشد يومئذٍ ولم يَصْحبه شيء من آلة السفر ، لأنه لما بات في دار برنقش أصبحوا ، ودخل خواصه يصلحون له آلة السفر ، فرحل على غفلة . ودخل مسعود بغداد ، ونهب دوابَّ الْجُنْد ، وجاء صافي الخادم فقال : لم يفعل الخليفة صوابًا بذهابه ، والسّلطان له على نيَّة صالحة ، وسكن النّاس . وأظهروا العدل ، واجتمع القُضاة والكبار عند السّلطان مسعود ، وقدحوا في الراشد ، وبالغ في ذلك الوزير عليّ بن طِراد ، وقيل : بل أخرج السلطان خط الراشد : إني متى جَنَّدْت أو خرجت انعزلت ، فشهد العُدول أن هذا خط الخليفة ، والقول الأول الأظهر . ثمّ أحكم ابن طِراد النّوبة ، واجتمع بكلٍ من القُضاة والفُقهاء ، وخوّفهم وهدّدهم إن لم يخلعوه ، وكتب محضرًا فيه : إنّ أبا جعفر ابن المسترشد بدا منه سوء أفعال وسفْك دماء ، وفعل ما لَا يجوز أن يكون معه إمامًا ، وشهد بذلك الهَيْتِيّ ، وابن البيضاوي ، ونقيب الطّالبيّين ، وابن الرّزّاز ، وابن شافع ، ورَوْح بن الحُدَيْثيّ ، وأُخر ، وقالوا : إنّ ابن البيضاويّ شهد مُكْرَهًا ، وحكم ابن الكرْخيّ قاضي البلد بخلْعه في سادس عشر ذي القعدة ، وأحضروا أبا عبد الله محمد ابن المستظهر بالله ، وهو عم المخلوع . قال سديد الدولة ابن الأنْباريّ : أرسل السّلطان مسعود إلى عمّه السّلطان سَنْجَر : من نُوَلي ؟ فكتب إليه : لَا تولّي إلّا من يضمنه الوزير ، وصاحب المخزن ، وابن الأنباريّ ، فاجتمع مسعود بنا ، فقال الوزير : نولي الزاهد الدين محمد ابن المستظهر ، فقال : وتَضْمَنُه ؟ قال : نعم ، وكان صهرًا للوزير على بنته ، فإنها دخلت يومًا في خلافة المستظهر ، فطلب محمد ابن المستظهر هذا من أبيه تزويجها ، فزوّجه بها ، وبقيت عنده ، ثمّ تُوُفّيت . قلت : فبايعوه ، ولُقِّب المقتفي لأمر الله ، ولقب بذلك لسبب ، قال ابن الجوزي : قرأتُ بخطّ أبي الفَرَج بن الحسين الحدَّاد ، قال : حدَّثني من أثق به أنّ المقتفي رأى في منامه قبل أن يُسْتَخْلف بستَّة أيام رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يقول له : " سيصل هذا الأمر إليك ، فاقتف بي " ، فلُقِّب المقتفي لأمر الله ، ثمّ بويع اليوم الثاني البيعة العامة في محفلٍ عظيم ، وبعث مسعود بعد أن أظهر العدل ، ومهد بغداد ، فأخذ جميع ما في دار الخلافة من دوابّ ، وأثاث ، وذهب ، وسُتُور ،